عبد الرحمن بن ناصر السعدي

641

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ول كن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) * يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال ، وإقامة دينه فقال : * ( فأقم وجهك ) * أي : انصبه ووجهه * ( للدين ) * الذي هو الإسلام والإيمان ، والإحسان ، بأن تتوجه بقلبك ، وقصدك ، وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة ، كالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ونحوها . وشرائعه الباطنة ، كالمحبة ، والخوف ، والرجاء ، والإنابة . والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة ، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . وخص الله إقامة الوجه ، لأن إقبال الوجه ، تبع لإقبال القلب ، ويترتب على الأمرين ، سعي البدن ، ولهذا قال : * ( حنيفا ) * أي : مقبلا على الله في ذلك ، معرضا عما سواه . وهذا الأمر الذي أمرناك به ، هو * ( فطرة الله فطر الناس عليها ) * ووضع في عقولهم حسنها ، واستقباح غيرها . إن جميع أحكام الشرع ، الظاهرة والباطنة ، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم . الميل إليها . فوضع في قلوبهم ، محبة الحق ، وإيثار الحق ، وهذا حقيقة الفطر . ومن خرج عن هذا الأصل ، فلعارض عرض لفطرته ، أفسدها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) . * ( لا تبديل لخلق الله ) * أي : لا أحد يبدل خلق الله ، فيجعل المخلوق على غير الوضع ، الذي وضعه الله . * ( ذلك ) * الذي أمرناك به * ( الدين القيم ) * أي : الطريق المستقيم الموصل إلى الله ، وإلى دار كرامته ، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم ، في جميع شرائعه وطرقه . * ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) * فلا يتعرفون الدين القيم ، وإن عرفوه لم يسلكوه . * ( منيبين إليه واتقوه ) * وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين . فإن الإنابة ، إنابة القلب ، وانجذاب دواعيه ، لمراضي الله تعالى . ويلزم من ذلك ، عمل البدن بمقتضى ما في القلب ، فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة ، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة ، فلذلك قال : * ( واتقوه ) * فهذا يشمل فعل المأمورات ، وترك المنهيات . وخص من المأمورات الصلاة بقوله : * ( وأقيموا الصلاة ) * لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى ، كما قال تعالى في سورة العنكبوت : * ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * فهذا إعانتها على التقوى . ثم قال : * ( ولذكر الله أكبر ) * فهذا حثها على الإنابة . وخص من المنهيات أصلها ، والذي لا يقبل معه عمل ، وهو الشرك فقال : * ( ولا تكونوا من المشركين ) * لكون الشرك مضادا للإنابة ، التي روحها الإخلاص من كل وجه . ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال : * ( من الذين فرقوا دينهم ) * مع أن الدين واحد ، وهو إخلاص العبادة لله وحده وهؤلاء المشركون ، فرقوه : ومنهم من يعبد الأوثان والأصنام . منهم من يعبد الشمس والقمر . ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ، ومنهم يهود ، ومنهم نصارى . ولهذا قال : * ( وكانوا شيعا ) * أي : كل فرقة تحزبت وتعصبت ، على نصر ما معها من الباطل ، ومنابذة غيرهم ومحاربتهم . * ( كل حزب بما لديهم ) * من العلوم المخالفة لعلوم الرسل * ( فرحون ) * به ، يحكمون لأنفسهم بأنه الحق ، وإن غيرهم على باطل . وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا ، كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل ، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق ، بل الدين واحد ، والرسول واحد ، والإله واحد . وأكثر الأمور الدينية ، وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة . والأخوة الإيمانية ، قد عقدها الله وربطها ، أتم ربط . فما بال ذلك كله يلغى ، ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية ، أو فروع خلافية ، يضلل بها بعضهم بعضا ، ويتميز بها بعضهم على بعض ؟ فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان ، وأعظم مقاصده ، التي كان بها المسلمين ؟ وهل السعي في جمع كلمتهم ، وإزالة ما بينهم من الشقاق ، المبني على ذلك الأصل الباطل ، إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله ، وأفضل الأعمال المقربة إلى الله ؟ * ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ) * ولما أمر تعالى بالإنابة إليه والإنابة المأمور بها ، هي الإنابة الاختيارية ، التي تكون في حالي العسر واليسر ، والسعة والضيق ذكر الإنابة الاضطرارية ، التي لا تكون مع الإنسان إلا عند ضيقه وكربه ، فإذا زال عنه الضيق ، نبذها وراء ظهره ، وهذه غير نافعة فقال : * ( وإذا مس الناس ضر ) * ( إلي ) * ( يشركون ) * . * ( وإذا مس الناس ضر ) * مرض ، أو خوف من هلاك ونحوه . * ( دعوا ربهم منيبين إليه ) * ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال ، لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله . * ( ثم إذا أذاقهم منه رحمة ) * فشفاهم من مرضهم ، وآمنهم من خوفهم . * ( إذا فريق منهم ) * ينقضون تلك الإنابة ،